وهبة الزحيلي
133
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
[ الأنعام 6 / 122 ] وله الحكمة البالغة ، وربّك هو العالم بالمستعدين للهداية ، فيهديهم ، لأنهم مستحقون لها ، وعالم أيضا بالمستعدين للغواية ، فلا يهديهم ، لأنهم لا يستحقونها . والمراد بالآية تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في عدم تمكنه من هداية قومه . ويلاحظ أنه لا دلالة في ظاهر هذه الآية على كفر أبي طالب ، لكن الثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كما بينت ، قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب ، وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني عبد مناف ، أطيعوا محمدا وصدقوه ، تفلحوا وترشدوا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عم ، تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك ! قال : فما تريد يا ابن أخي ؟ قال : أريد منك كلمة واحدة ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول : لا إله إلا اللّه ، أشهد لك بها عند اللّه تعالى ، قال : يا ابن أخي ، قد علمت أنك صادق ، ولكني أكره أن يقال : جزع عند الموت ، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبّة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق ، لما أرى من شدة وجدك ونصحك ، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ : عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف » . قال القرطبي : والصواب أن يقال : أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو نص البخاري ومسلم . ونظير الآية : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة 2 / 272 ] وقوله تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف 12 / 103 ] . والخلاصة : أن الهداية - كما ذكر الرازي : - بمعنى الإلجاء والقسر غير جائز ، لأن ذلك قبيح من اللّه تعالى في حق المكلف ، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو